من أجل المحافظة عل مسار الثقة الحقيقي

نبيل شيخي

أخطر ما يمكن أن يهدد تجارب التحول الديمقراطي هو أن يتصور البعض أن مساحات التعبيير والرأي قد اتسعت أكثر مما ينبغي، وأنه آن الأوان لاستهداف كل الأصوات الحرة والمستقلة حتى تسجن خطابها ضمن إطار مرسوم لايمكن الخروج عنه.


أخطر ما يمكن أن يهدد تجارب التحول الديمقراطي، كذلك، الرغبة الجامحة في رسم الخطط والسيناريوهات التي كانت تجدي في سياقات سابقة، لكنها اليوم تصطدم بصخرة الوعي الشعبي المتنامي والمتزايد، والذي أصبح في كل مرة قادرا على خلق المفاجأة، من خلال إبداع طرق جديدة ومبتكرة في التعبير ولفت الانتباه للاختلالات، والضغط في اتجاه تصحيحها عند الاقتضاء.


أخطر ما يمكن أن يهدد تجارب التحول الديمقراطي أيضا، أن يطال الاستهداف في كل مرة فئات جديدة يعتبر وجودها، وحريتها في التعبير، صمام أمان على طريق التدافع المطلوب من أجل تكريس مسار البناء الديمقراطي، والأخطر أن يتم استسهال المضي في هذا المسار، لكي يطال هذا الاستهداف من كان من المفروض أن يتمتعوا بقدر كبير من الحصانة في إطار مرافعتهم عن قضايا المواطنين، من أجل دفعهم للصمت والالتحاق بركب الصامتين.


الأخطر من كل ذلك عدم الانتباه، إلى أن الاستهانة والمغامرة والإصرار على هذا المسار، والغرور الزائد، سيساهم لا محالة في قضم المزيد من المكتسبات الديمقراطية والحقوقية ببلادنا، ومراكمة التوترات، وهو ما قد يؤدي إلى التفريط في ما حققته بلادنا على طريق تعزيز الحريات وتحقيق الإنصاف والمصالحة.


ولذلك وجب التنبيه إلى أن تطلعنا، ينبغي أن يبقى معلقا بتحقيق المزيد من التراكم على طريق البناء الديمقراطي، وتكريس دولة الحق والقانون، أما الاستكانة إلى المقارنات السهلة بين الوضع في بلدنا ومايجري في عدد من بلدان المنطقة الني تعرف ردة ونكوصا ديمقراطيا، فإن الوصول إلى ما ارتكست فيه، لا يتطلب سوى المزيد من التهور والمغامرات غير المحسوبة. أما طريق الصعود والاستقرار والبناء الديمقراطي، والمحافظة على مسار الثقة الحقيقي الذي يتطلع إليه الشعب، فيحتاج إلى قدر كبير من التعقل والحكمة وبعد النظر.